أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

150

العقد الفريد

وخطب الناس عبد الملك فقال : أيها الناس إني واللّه ما أنا بالخليفة المستضعف - يريد عثمان بن عفان - ولا بالخليفة المداهن - يريد معاوية بن أبي سفيان - ولا بالخليفة المأفون « 1 » - يريد يزيد بن معاوية - فمن قال برأسه كذا ، قلنا بسيفنا كذا ! ثم نزل . وخطب عبد الملك على المنبر فقال : أيها الناس ، إن اللّه حد حدودا ، وفرض فروضا ؛ فما زلتم تزدادون في الذنب ونزداد في العقوبة ، حتى اجتمعنا نحن وأنتم عند السيف ! أبو الحسن المدائني قال : قدم عمر بن أبي طالب على عبد الملك ، فسأله أن يصيّر إليه صدقة علي ، فقال عبد الملك متمثلا بأبيات ابن أبي الحقيق : إني إذا مالت دواعي الهوى * وأنصت السّامع للقائل واعتلج الناس بآرائهم * نقضي بحكم عادل فاصل « 2 » لا نجعل الباطل حقا ولا * نرضى بدون الحقّ للباطل لا ، لعمري لا نخرجها من ولد الحسين إليك . وأمر له بصلة ، ورجع . وقال عبد الملك بن مروان لأيمن بن خريم : إن أباك وعمك كانت لهما صحبة ؛ فخذ هذا المال فقاتل ابن الزبير . فأبى ، فشتمه عبد الملك ، فخرج وهو يقول : فلست بقاتل رجلا يصلّي * على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعليّ إثمي * معاذ اللّه عن سفه وطيش وقال أيمن بن خريم أيضا : إنّ للفتنة هيطا بيّنا * فرويد الميل منها يعتدل « 3 » فإذا كان عطاء فانتهز * وإذا كان قتال فاعتزل إنما يوقدها فرسانها * حطب النار فدعها تشتعل

--> ( 1 ) المأفون : الناقص العقل . ( 2 ) اعتلجوا : التحموا صراعا وقتالا . ( 3 ) الهيط : الضجيج والجلبة .